إخوان الصفاء
28
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ونام فيه ، وقبض ملك الموت روحه من ساعته ، وانضمّ القبر ، وانصرف موسى باكيا حزينا على مفارقته ، ورجع إلى بني إسرائيل ، ومعه ثياب هارون ، فاتّهموه وقالوا : حسدته فقتلته ! فبرّأه اللّه مما قالوا ، وكان عند اللّه وجيها . وبقي موسى بعد وفاة هارون قليلا حتى كتب لهم التوراة ، ووصّاهم بما احتاجوا إليه ، وسلم إلى يوشع ، وودعه ، وصعد إلى الجبل ، والناس يبكون حتى غاب عن أعينهم وسلم نفسه إلى ربه . ثم توفي ، ومضيا إلى ربهما ، فأكرم مثواهما ، صلوات اللّه عليهما . وبقي بنو إسرائيل ، بعد وفاة موسى ، أربعين سنة تائهين عن الهدى ، حتى بعث فيهم يوشع بن نون ولد نون ولد يوسف النبي ، عليه السلام ، وهو أحد الرجلين اللذين أنعم اللّه عليهما حين قال موسى لبني إسرائيل : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لكم . فصل ومما يدل على أن الأنبياء ، عليهم السلام ، يرون ويعتقدون بقاء النفس وصلاحها بعد مفارقة الجسد ، فعل المسيح ، عليه السلام ، بناسوته ، ووصيته للحواريين بمثل ذلك : وذلك أن المسيح لما بعث في بني إسرائيل فرآهم منتحلين دين موسى ، مستمسكين بظاهر شريعته ، يقرأون التوراة وكتب الأنبياء ، غير قائمين بواجبها ، ولا عارفين حقائقها ، فلا يعرفون أسرارها ، بل يستعملونها على العادة ويجرونها على التقليد ، ولا يعرفون الآخرة ، ولا يرغبون فيها ، ولا يفهمون أمر المعاد ، ولا يدرون ما فيها غير الدنيا وغرورها وأمانيها ، ولا يدرون مما يستعملون من أمر الشريعة وسنّة الدين إلّا طلب الدنيا ، وليس غرض الأنبياء في دعوتهم الأمم ، ووضع الشرائع والسّنن ، إصلاح الدنيا فحسب ، بل غرضهم من ذلك كله نجاة النفوس الغريقة من بحر الهيولى والعتق لها من أسر الطبيعة ، وإخراجها من ظلمات الأجسام إلى أنوار عالم